أبو حامد الغزالي

290

تهافت الفلاسفة

فإن قيل : الفعل الإلهى له مجرى واحد مضروب ، لا يتغير ، ولذلك قال اللّه تعالى : « وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ » وقال تعالى : « وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا » ، وهذه الأسباب التي توهمتم إمكانها ، إن كانت ، فينبغي أن تطرد أيضا ، وتتكرر إلى غير نهاية ، وأن يبقى هذا النظام الموجود في العالم ، من التولّد والتوالد ، إلى غير نهاية . وبعد الاعتراف ، بالتكرر والدور ، فلا يبعد أن يختلف منهاج الأمور ، في كل ألف ألف سنة مثلا ، ولكن يكون ذلك التبدل أيضا دائما أبدا ، على سنن واحد ، فإن سنة اللّه تعالى ، لا تبديل فيها . وهذا إنما كان ، لأن الفعل الإلهى ، يصدر على المشيئة الإلهية ، والمشيئة الإلهية ، ليست متعددة « 1 » الجهة ، حتى يختلف نظامها ، باختلاف جهاتها ، فيكون الصادر منها ، كيفما كان ، منتظما انتظاما ، يجمع الأول والآخر ، على نسق واحد ، كما نراه في سائر الأسباب والمسببات . فإن جوزتم استمرار التوالد والتناسل ، بالطريق المشاهد الآن ، أو عود هذا المنهاج ، ولو بعد زمان طويل ، على سبيل التكرار والدوام ، فقد رفعتم القيامة والآخرة ، وما دل عليه ظواهر الشرع ، إذ يلزم عليه أن يكون ، قد تقدم على وجودنا هذا ، البعث كرات ، وسيعود كرات ، وهكذا على الترتيب . وإن قلتم إن السنة الإلهية ، بالكلية تتبدل إلى جنس آخر ، ولا تعود قط هذه السنة ، وتنقسم مدة هذا الإمكان ، إلى ثلاثة أقسام : قسم قبل خلق العالم ، إذ كان اللّه تعالى ولا عالم . وقسم بعد خلقه على هذا الوجه . وقسم به الاختتام ، وهو المنهاج البعثى . بطل الاتساق والانتظام ، وحصل التبديل لسنة اللّه تعالى ، وهو محال ، فإن

--> ( 1 ) في الأصل « متعينة » .